البحث في المجالس موضوعات تعليقات في
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

تعليقات د يحيى مصري

 273  274  275  276  277 
تعليقاتتاريخ النشرمواضيع
الإسلام والديمقراطية    ( من قبل 5 أعضاء )    قيّم

" الإسلام والديمقراطية

السيد هاني فحص
لعلهم يحسنون صنعا أولئك الباحثون الهادئون، عندما يلتمسون ويلمسون الفارق بين الاسلام كدين يعتني بالعبادات والأخلاق العامة ومعاملات أهله فيما بينهم، وبينهم وبين الآخرين، وبين الديمقراطية باعتبارها شكلا للحكم، أي لعلاقة الدولة باجتماعها، أو وصفا لطريقة الحكم بالشراكة، مع ما يعني ذلك من أفكار وقيم حاكمة على علائق الأفراد فيما بينهم، وبينهم وبين الدولة، كجامع يجمعهم بإرادتهم ومن اجل مصلحتهم جميعا.
هؤلاء إذن، يلاحظون اختلافاً لا يصلون به إلى حد اعتباره تضاداً أو تناقضا بين الإسلام والديمقراطية، ولكنهم في نفس الوقت يرفعونه إلى مستوى الاختلاف بين مشروعين حضاريين؛ هما المشروع الاسلامي الذي يأتي من مكان ونظام معرفي مغاير للمكان والنظام المعرفي الذي تأتي منه الديمقراطية، وينشغلون بالبحث عن مقام الاتفاق في مستوى المثل بين الديمقراطية والاسلام، ملحين، تجنبا للخلط والتعسف، على تظهير اطار ومقدار التنوع أو التمايز بينهما.
الاسلام لم يقدم نمطاً للدولة
هل بإمكاننا أن نبدأ كلامنا عن الاسلام والديمقراطية من نقطة أخرى؟ من السؤال عن رؤية الاسلام لمسألة الدولة: هل هي ضرورة أم لا؟ وإذا ما كانت ضرورة فهل وصفها الاسلام؟ أي هل اقترح لها شكلا معينا ليستوعب في تطوره المستجدات في المعرفة والاجتماع، مرتكزا على المسلمات الفقهية في ضرورة مراعاة الأزمان والأحوال، أي التوليف بين الثوابت والمتغيرات؟ ما يعني في النهاية أن هناك أطروحة نظرية إسلامية لها تمثلاتها ومثالاتها المختلفة في التاريخ، وان هذه النظرية قابلة لاستيعاب المستجدات، من دون أن يكون ذلك مساساً بأسسها ومسلماتها، بحيث إذا ما تواجهنا، من خلال هذا المنطق، مع عدم إمكان المسلمين، في تجاربهم الحديثة (إيران مثلا) على مستوى بناء الدولة، تجنب أو تفادي تطبيق الوصفات المعمول بها في التجارب الديمقراطية الحديثة (الاستفتاء، الانتخاب، حكم الأكثرية، فصل السلطات... الخ)، ليكون علينا بالتالي أن نتدبر أسسا نظرية لاعتبار الدولة، في شكلها الحديث، وآليات إنتاجها (الديمقراطية)، دولة مطابقة أو غير مناقضة للمفهوم الاسلامي للدولة، كأننا هنا قد عدنا إلى ما بدأنا به، أي السؤال عما إذا كان الاسلام قد اقترح شكلا للدولة؟
في محاولة للإجابة الإجمالية عن هذه الكومة من الأسئلة، يمكننا الاستناد إلى قول إسلامي بالغ الوضوح، ومسلكية إسلامية تقتضي مزيدا من التدقيق، حتى نتجنب الوقوع في التعميم. فعندما أكد علي بن أبي طالب أنه «لابد للناس من أمير بر أو فاجر» لم يتخل عن العدالة كهدف لعلاقة الدولة بالمجتمع، ولكنه وضع وجود الدولة، مجرد وجودها، في المقام الأول، على أساس أن عدمها جور مطلق، بينما جورها الفعلي، التطبيقي، نسبي، فإذا ما ارتفعت نسبة الجور فيها كان علاجها بالاعتراض والاحتجاج والانقلاب المشروط بالعدل أولا.. إذن فقد تعامل علي مع الدولة كضرورة، أما منشأ ضرورتها فهو الانتظام والنظام العام، الأمن والفيء، أي الانسان والعمران، بما يقتضي ذلك من إطلاق حرية التملك المضبوطة بالشريعة، حتى لا تتفاقم الفوارق الطبقية، ويستولي الجور على الأغلبية الساحقة من الناس، فتعم الفوضى، ويخرج الجياع شاهرين على الناس سيوفهم ونعود الى المأثور «سلطان غشوم خير من فتنة تدوم».
إذن فالدولة ضرورة اجتماع، يقتضيها الاجتماع ويبنيها، لا تبنيه، وان كانت بعد أن يبنيها تعود لتسهم في اعادة بنائه وتجديده، يجددها ويتجدد بها، وتجدده وتتجدد به.. والضرورة في قواعد السلوك إنما تقدر بظروفها ومقاديرها، فإذا كانت الظروف متغيرة، أي تغيّر وعي الاجتماع لذاته وعلائقه، وتغير وعي الفرد لموقعه في المجتمع ومسؤولياته وحقوقه وواجباته، وتبعا لذلك تغيرت الأدوار، فلابد أن تتغير الدولة شكلا، وأداء، ودورا، ومصدر شرعية، وآليات تحقيق، طبقا للتغيرات الحاصلة في بنيان المجتمع.
وهذا يعني أنه من الصعب تنميط الدولة، أي اقتراح نمط واحد لها في كل الأمكنة والأزمة، والاسلام في الأساس، لاحظ حسب القرآن الكريم، مدى التعدد والتنوع البشري، فلم يطمح بإلغائه، بل دعا إلى احترام الخصوصيات، وجعلها مصادر حيوية في العالم يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا....
على هذا لا يعود الاسلام وضعا جاهزا معطلا الفوارق بين المجتمعات أو داخلها، وهو يمر بالخصوصيات المجتمعة على أساس حفظ التعدد في الوحدة، وهذه من علامات عمقه التوحيدي.
هل أكون حتى الآن قد قدمت مسوغات لرأيي، بأنه لا داعي للمقارنة أو المفاضلة بين الإسلام والديمقراطية، لأن الديمقراطية هي حتى الآن الشكل الأقل اضرارا بالمجتمع، نظرا للاشكالية الدائمة في علاقة الدولة بالمجتمع، ولأن الاسلام لم يقدم نمطا أو شكلا للدولة، وأن الله لا يتعبدنا بشكل من أشكال الدولة؟
الاختلاف ليس مناطا للقطيعة
تقديري، مع إلحاح على البحث والتدقيق، هو أننا لسنا مع الاسلام والديمقراطية، بين نظامين حضاريين، بل نحن مع نظام حضاري اسلامي تاريخي متحرك متجدد على أصوله، نازع بعمق الى استيعاب التعدد وتجاوزه، أي رفعه إلى مستوى أطروحة انسانية على شرط الحرية. ومن هنا تصبح الديمقراطية، التي كانت و ما زالت، تعبيرا عن شوق انساني الى الحضور في المشهد عطفا على الحضور في المعتقد من خلال الانتماء الديني أو الثقافي، تصبح منجزاً تاريخيا دائم الإنجاز، تنجزه لينجزك، تعيد به إنجاز الاسلام فروعا معروضة على اصولها، ويعيد الاسلام إنجازه طريقا تتسع وتضيق وتعتريها الالتواءات والمطبات من مكان لآخر، ومن زمن لآخر.
أي أن الديمقراطية تقع نظريا في نظام الأفكار الاسلامي العام، المقاصدي، ولا تتعارض مع قيمه، اما أنها محكومة منشأ بسياق حضاري مختلف، فهذا ظلم للاسلام الذي كان شورويا في الواقع، بصرف النظر عن الخلاف في فهم آيات الشورى في القرآن، إلى ذلك فان الاختلاف الحضاري لم يكن يوما حجة للمسلمين للقطيعة مع الآخر، وإلا فكيف انتشر الإسلام واخترق الحضارات لو لم يكن متفهما لها، وموسعا لشراكة معرفية وتاريخية مع منجزاتها؟ والانسان عموما، والمسلم ليس استثناء، هو في الحصيلة مجموع تراكمات ثقافية تبادلية، والاسلام كدين لا يهدف إلى قطيعة بين المسلمين وغيرهم، والاختلاف ليس مناطا للقطيعة، بل هو مناط للتواصل والتعارف والتثاقف، أي التكامل. والقرآن يعتبر أن الأمة التي يجب الحرص على وحدتها، أو إعادتها إلى الوحدة كمعادل موضوعي للتوحيد، وعلى موجب الايمان واللقاء في الواحد، هي الانسانية جمعاء، وهذا ليس مشروع دولة كونية، تقوم على الإلغاء والمصادرة الشمولية، بل هو مشروع ديمقراطيات تتعدد بتعدد المجتمعات، ولكنها تشترك في فضاء الحرية وتلتقي فيه.
إن التعدد والمتعدد، المتحقق دائما، والضروري والحضاري والديناميكي دائما، لا يمكن أن يتناغم ويتجنب الالغاء المتبادل، بالعنف المباشر وغير المباشر، إلا من خلال وعيه للحركة كشرط وجود وحضور وفعل وإيمان.
صيانة الثابت من تعقيدات المتغير
هل هذه دعوة إلى فصل الدين عن الدولة؟ لا يجوز هنا بالذات أن نساوي بين العارض والذاتي في محدداتنا، أي بين ما هو مكتسب، وما هو جزء من التكوين، وكل ما يأتي من قبل الآخر باعتبار آخر له مكوناته، من دون أن يتماهى مع الذات ليدخل في تعريفها، لا يجوز ــ أو لا يمكن ــ أن تتخطى علاقتنا به ووعينا لـه حدود عدم إمكان إزالة الذاتي بالعرضي، لأن الذاتي الذي لا يعلّل فلسفيا لا يزول، من هنا فإن فصل الدين عن الدولة، الذي كان ممكنا وإشكاليا في معناه الكامل في الغرب، غير ممكن في معناه الكامل في حالتنا، على الأقل فإن المسيحية في الغرب وافدة، بينما الاسلام والمسيحية في حالنا نابعة، أي نبعت منا ونبعنا منها، وهذا تعقيد إضافي ونوعي لابد من مراعاته، وبناء عليه، وسواء كان الدين لدينا إسلاما أو مسيحية، فإن غاية ما هو متاح من دون كسر، هو التمييز بين الدولة والدين، إلى الحد الذي يمكن أن تترتب عليه أفكار وسلوكيات تقترب من نحو من أنحاء الفصل النسبي، أي من دون بلوغ التحام قسري، بمعنى اننا قد نكون مدعوين إلى حماية الدين وصيانته من الدولة، ومن آليات إنتاجها ومترتبات أدائها، أي صيانة الثابت من تعقيدات المتغير، حماية للمتغير بالضرورة، أي الدولة، من الثابت كذلك، باعتبار أنهما حقلان من الضروري والمفيد أن يتناغما في النتائج، من دون خلط عشوائي أو تعسفي أو غير منهجي بينهما، معرفة ووظيفة. آخذين في اعتبارنا أن عملية التمييز التي تجوهرت فصلا في الغرب، لم تفصل تماما، وما زال الحراك السياسي والاجتماعي، بنسبة أو بأخرى، في الغرب محكوما بشائبة من الدين، ولكنها، أي عملية الدين الواسعة نسبيا، أدت فيما أدت الى حفظ الدين في سياقه ومساره الانساني الفاعل، بعدما كان الخلط قد عرضه إلى الارتهان لسياق المتغير، أي الاندحار بفقدان المصداقية، باعتباره ملاذا لا منصة انطلاق ضد الآخر، أي ضد الذات في المحصلة.
الدولة في الغرب تحتوي الكنيسة
لقد كان رد الفعل الأوروبي ضد الخلط بين الدين والدولة، بحجم الفعل الذي تبلور في مجمع نيقية (325م) حيث ظنت الكنيسة تحت إغراءات الجاه والسلطة، أنها احتوت الدولة، والواقع أن الدولة هي التي احتوت الكنيسة في سياق الاستبداد الامبراطوري الروماني، الذي عاد ليكتشف في المسيحية غطاءه الايديولوجي السهل وغير المكلف، حتى كان عصر الأنوار تخليصا للمسيحية من هذا المنزلق أو المهوى، فترتب عليه لون من التراجع المسيحي (للمسيحية)، ثم ما لبث البعد الديني فيها أن أخذ يستعيد حيويته وعافيته على أيدي الذين اشتغلوا على أنسنته، وتحديث معارفه، والمعرفة به، وتمثله في السلوك اليومي والعلائقي.. وصولا الى تيار دي شار دان ومدرسته المعاصرة.
لا يكدح الى الله إلا الأحرار
إننا مضطرون للتمييز، حتى لا نقع ثانية في ذرائعية مكشوفة، وقد كان الاسلاميون الجزائريون قساة في ذرائعيتهم، أي جعلهم الاسلام ذريعة، عندما توسلوا الديمقراطية الى الاستبداد المكنون أو المنوي، والذي تجلت النية المبيتة فيه من خلال العنف العشوائي «الاستبدادي منشأ» الذي مارسوه ويمارسونه من أجل ديمقراطية شكلانية، أي استبداد آخر، مقدمين بذلك ذريعة للدولة لأن تجسد استبدادها عنفا، بدا وكأنه مضاد في حين أنه كان تأسيسيا، تأسست عليه الدولة وتأسس عليها.
وإذا ما كانت الغائية «القصد» والله تعالى هو مقصد المقاصد «الله الصمد» هي الشرط الإلهي، والحرية هي الشرط الإنساني، الإلهي جوهرا، فإننا نبطل الغائية بإبطال الحرية، وكذلك نبطل الحرية بإبطال الغائية، ومن دون غائية تصبح الحرية على خطر تحولها إلى فوضى عارمة ومدمرة، ومن دون حرية تصبح الغائية إعاقة، وإحالة الدنيا على الآخرة، وللشهود على الغيب، أي تتعطل الحياة، ويصبح الخلاص الأخروي فرضية مفرغة من المعنى أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون.
ومن هنا فإن الديمقراطية بما هي نظام ملائم للحرية، ضابط لها، مشروط بالخصوصيات، هي التي تضمن أن يبقى الشرط الغائي على الهيته وإنسانيته، وعلى ذلك نكف عن جعل ثنائية الإلهي والإنساني ثنائية متقابلة، ويصبح كل منهما مجالا أو فضاء لتحقق الآخر يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه «كنت كنزاً مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف» «الخلق كلهم عيال الله». وهل يكدح إلى الله إلا الاحرار، الذين تحرروا بالمعرفة، بمعرفة الحق، عرفوا فلزموا؟ إذن فالحرية مآلها إلى الحق والحقيقة، ومنتهى الحق إلى الحرية، لأن الحرية هي الحقيقة الثابتة، والتي نجدها على الطريق من المعلوم إلى المجهول، أي طريق كشف الجهالات بالمعارف، وإبعاد الجور بالعدل، والعنف بالاعتدال، والتطرف بالتوسط، والغلبة بالتسوية.. والتسوية بمزيد من التسوية.
مصطلح المستبد العادل تلفيق بين مفهومين متناقضين
طالما أن شكل الدولة وطريقة تشكيلها ليسا شأن الدين، لا الاسلام ولا غيره، وحيث لا وصفة دينية ملزمة للدولة، وطالما أن شأن الدين، بما هو معرفة و سلوك وثقافة وقيم وعلائق وتقوى، هو أداء الدولة، أي عدالتها، وطالما أن العدالة من دون حرية هي جور آخر، فالمستبد العادل تلفيق بين مفهومين متناقضين لا يجتمعان أبدا ولا يرتفعان، أي إما مستبد وإما عادل، وطالما أن الحرية من دون عدالة ليست حرية، بل فوضى حاضنة لتوائم أو ضرائر من الاستبدادات المدمرة، فإن الديمقراطية لا بمعناها السياسي الصرف وحده، بل وبمدلولها الواسع، الذي يمتد إلى الشأن الاجتماعي والرعائي والتنموي الشامل، هي التي تجمع الحرية الى العدالة في بنية مدنية، كمفهومين متشارطين تعريفا وتحقيقا، الى حد دخول كل منهما في تعريف الآخر.
وبناء على ذلك لا يعود من شأن الفقه أو الفقيه أن يصف شكل الدولة أو يقترح طريقة تشكيلها، إلا في حدود كونه شريكا متكافئا مع الآخرين من أهل المعرفة بهذا الشأن وأهل الخبرة. ويصبح الفقه ثقافة معيارية، معيارها الحرية والعدالة، الحق والقانون، أي ديمقراطية تحث على العدل، وتحرض على الجور، وتتعاطى مع مضمون الدولة ومعناها لا شكلها ومبناها، ومن موقع إرشادي حاضني، لا مولوي قابض، لأن المولى هو الله في المطلق وفي التاريخ، أما الولاية على الأمة فهي للأمة.
معرفة الدين لا تتم إلا بشرط الحرية
مبكرا استرعى انتباهي منذ ربع قرن تقريبا، المرحوم الدكتور علي شريعتي، عندما بادر بتأثير من هواجسه الوحدوية والنهضوية، إلى اقتراح حل معرفي لا سياسي فقط، لمسألة الإمامة والسياسة، أو الإمامة والخلافة، منطلقا من هم إسلامي يمر بالخلافات المذهبية ويتعداها، إلى التوفيق بين المختلفين في قراءة التاريخ الاسلامي على موجب السياسة، وبين استحضاره كرافعة حضارية، يضعفها الخلط أو المزج بين مفاهيم متمايزة، فاقترح شريعتي وقتها في كتابه «أمت وإمامت» أي «الأمة والإمامة» التفريق بين الإمامة كشأن ديني ثقافي واعتقادي جامع يرعى شؤون الانسان المسلم كما هو مستخلف ومكرم، وبين الخلافة التي ترعى شأن الإنسان الطبيعي أيا كان انتماؤه أو ايمانه العام أو التفصيلي، وهذا يدخل اساسا في الدين بلحاظ تدرجه في نظام المقاصد الشرعية، ما يعني أن اختلاف الطبائع يسهم في تفسير الخلاف في الخلافة أو عليها، من دون أن يمس بالدور الحضاري للإنسان (الاستخلاف) وكرامته الأثيرة عند الله. وهذا يتيح أن نستكمل الدورة المعرفية التي لم يخترعها شريعتي ولكنه استأنفها، بالتمييز عموديا وافقيا بين الدين والسياسة، وبين الدين والدولة، بحيث يتحصل لدينا لائحتان من المعارف والسلوكيات، معارف وسلوكيات الاجتماع في الدين، ومعارف وسلوكيات الاختلاف في الدولة، ونبحث لهاتين اللائحتين عن مناطق وفضاءات ومفاتيح ومنهجيات وأبواب للتكامل، وعلى أساس أن الاختلاف شرط للتكامل، وأن التكامل مآل حضاري وتوحيدي للاختلاف، حتى لا يعم الخراب الدنيا، ولا يعود الواحد منا أو الجماعة على طمأنينة لمآلها في الآخرة.
وإلا فان الاستبداد هو في انتظار أي حراك اسلامي مسيّس، والاستبداد الديني أقسى، وإذا كان الاستبداد الديني مسوغا للاستبداد العلماني أو (الجهلاني) فان الاستبداد العلماني الجهلاني اياه، من شاه إيران الى صدام، ربما كان أقل فتكا بالدين وأهله من استبداد اهل الدين بالدين وأهله.
والاستبداد الذي يمتد من تفاصيل الحياة الى المعرفة بالدين والحياة، هو مصادرة واجتثاث للدين وللمعرفة به.
ان معرفة الدين لا تتم إلا بشرط الحرية، ولعل الحرية هي النصاب الأعلى لهذه المعرفة، تحققها وتتحقق بها.
في النهاية لسنا ملزمين بوضع الله خيارا إلهيا أو انسانيا في مقابل الانسان، ان في ذلك عدوانا معرفيا على الألوهية، بلحاظ الإطلاق الكامل في تعريفها ذاتا وصفات... والأنسنة، أي أنسنة المفاهيم الإلهية تعني عدم موضعتها، لأنها تصبح خلافية مفرقة بدل أن تكون مقامات وفاق جامعة للمختلف تحت سقفها ومعناها، كما أنه اعتداء على الانسان بوضعه في موضوع مصدره ومقصده (الله) أي تحويل المُغيّا إلى وسيلة، وتحول الوسيلة الى غاية، بمعنى ان تأليه الانسان هو الغاء لإنسانيته. ان التوحيد يقتضي اعتدالا في الرؤيةّ تتيح معرفة أسباب وشروط التأله والأنسنة، وإذا ما نقلنا هذه المعادلة إلى التاريخ، الى السياسة والاجتماع، فإن دولة مدنية جامعة لمكونات مختلفة على نصاب التوحيد الحافظ للوحدة، ونصاب الوحدة كمعادل موضوعي للتوحيد، هي التي من شأنها أن تحفظ لنا الدين والإنسان تحت ظل السماء المفصولة مفهوما عن الارض الموصولة مضمونا بهذه الأرض ومن عليها. بالدولة المدنية التي تأبى أن تحقق ذاتها في المس بمكونات الفرد والجماعة، والدين أولها، تحفظ للجماعات الدينية حقها في التعبير عن نفسها كمتحدات لا تنقض الدولة أو تصادرها، وهنا يتاح لنا التوفيق بين الفرد والجماعة، ونعيد إنتاج ديمقراطيتنا بعيدا عن إملاءات الشمولية الدينية أو المادية... وبعيدا عن العقل الذي يريد إنتاج الرأسمالية على موجب الإمبراطورية، وحقها في التعامل الإذعاني لها، من قبل الآخرين، بعدما انتجها سابقا على موجب الامبريالية والحرب الباردة.
الديمقراطية هي المناخ الملائم للمحبة والعدل
المواطنة بما هي تكييف وتكيف للأفراد الذين تتكون منهم المجتمعات والجماعات في الوطن الواحد وظل الدولة الجامعة، هي النصاب الضامن لنظام العلائق الإنساني الذي يدخل في مقاصد الشريعة، بل ربما كان محورها أو عمودها الفقري، حسب أصولنا المؤسسة وحراكنا التاريخي والحضاري المعياري، أي الذي تشكل المسألة الأخلاقية حجر الزاوية في عمارته «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، و«لا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فهم صنفان، اما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق». وإذا ما كانت المحبة شرطا للدين والعدل «وهل الدين إلا الحب؟»، كما يقول الامام الصادق، فإن العدل لا يمكن أن يكون إلا ثمرة للمحبة، والمحبة في الله تتسع لجميع عيال الله... وإلا فلن تكون ولن يكون عدل، والديمقراطية هي المناخ الملائم للمحبة والعدل كذلك.
وهذه البنية الفوقية، المواطنة، تتنزل، أي تتجوهر أو تتجلى، أو تتجسد في الديمقراطية، كشكل شبه حصري ومفتوح على التعديل والتطوير، واذن تمسي الديمقراطية هي آلية للارتقاء الفردي والجمعي الى المواطنة، وفي اطار المواطنة على مقتضى الديمقراطية، يتراجع الخوف على الجماعات المكونة، بلحاظ تمايزاتها الثقافية، أي يكف الآخر عن أن يكون استفزازا للهوية المحفوظة بالحرية. هل هذا استبعاد للبعد الإلهي من التشكل السياسي؟ ان الاستخلاف لا يمكن أن يقوم على المطابقة بين المستخلِف والمستخلَف «بالكسر ثم الفتح» فكيف إذا ما كان المستخلِف «بالكسر» خالقا منزها، وكان المستخلَف «بالفتح» مخلوقا عجولا جزوعا هلوعا؟ أي أنه مزود بصمامات أمان ضد الطغيان، إذا ما استقامت الأمور بينه وبين الله على التقوى والقيام بالأمانة... ولعل الديمقراطية هي الإطار والفضاء الذي يوفر للمستخلَف أن يكدح إلى المستخلِف ليلاقيه على موجب الحرية.. وموجب أن ابن آدم الخطاء مكلف شرعا بالعدالة، أي الحرية، وقادر على إنجازها بنسبة مجزية ومفتوحة على المزيد.
الدولة تنتج الدين على منطقها لا منطقه
هل نريد ثقافة أو دينا تنتجه الدولة، أو تعيد إنتاجها على موجبات مزاجها وحاجاتها التي قد تكون مشروعة وغير مشروعة؟ والدولة الدينية تنتج الدين قطعا، ولكن على أساس أنها دولة وليس على أساس أنها دين، ولا تختلف الدولة العلمانية عن الدولة الدينية في ذلك، وان كانت العلمانية في الدولة تنتج الدين سلبيا، أي ضد الدين، فإن ذلك يربي النزوع الى إعادة إنتاج المضادات الحيوية وبشكل عصبي وايديولوجي مغلق مشدود إلى العنف، والدين الذي ينتج الدولة تعود الدولة لتنتجه على منطقها لا منطقه، لأنهما اثنان. ولا عيب في هذه الثنائية، بل العيب في توهم الواحدية، التي تؤدي عمليا إلى الغاء الدولة بالدين، وإلغاء الدين بالدولة.
ان الثقافة والدين «بمعناه المعرفي المتجدد والحياتي لا بمعناه التأسيسي» من إنتاج المجتمع، والدولة الديمقراطية، بما هي ضامن للحريات تحت سقف القانون، يمكنها ان تحمي عملية انتاج الدين والثقافة، من أي عدوان عليهما، أو تشويههما، أو الخلط العشوائي المتعسف بينهما، والحرية هي ضمانة عدم العدوان أو التشوية، لأنهما يأتيان من جهة الجماعات العصية العصامية التي تريد انتاج الدين على مقاسها (المتبدل) لتعطل الحرية في داخلها وحولها، أي ان الديمقراطية تحمي الناس والمواطنين المؤمنين من عملية اعادة إنتاج الدين على حسابها لا لحسابهم، بشرط الحرية، أو شرط الحريات التي ينحصر نظامها الضامن لاستمرارها وحيويتها بالديمقراطية. في مقابل أي كم من الحريات لا ناظم لـه، فيتحول الى فوضى تمهد لتأسيس استبداد مركزي أو استبدادات طرفية يلغي بعضها بعضا بالعنف الدوري، المباشر، أي المادي، وغير المباشر، المعنوي، أي التهميش أو التكفير".

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
المستشرق الهولندي وكتابه.....    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

عكاظ ـ الخميس 27 ذو القعدة 1431هـ / 4 نوفمبر 2010م, العدد 16140
أول كتاب في تاريخ الفلسفة الإسلامية في القرن العشرين
من المؤلفات التي يعرفها الكتاب والباحثون في حقل الفلسفة الإسلامية وتاريخها, كتاب المستشرق الهولندي دي بور الذي يحمل عنوان (تاريخ الفلسفة في الإسلام), الكتاب الذي نال اهتماماً واضحاً في المجال العربي بعد ترجمته إلى اللغة العربية, وأصبح كتاباً مرجعياً في معظم الكتابات والمؤلفات التي تناولت الحديث عن الفلسفة الإسلامية وتاريخها, إلى درجة لا يكاد يوجد كتاب يتحدث عن الفلسفة الإسلامية ولم يرجع إليه, ويأتي على ذكره, وهذا ما وجدته في الكتابات والمؤلفات العديدة التي رجعت إليها في هذا الشأن.
واكتسب هذا الكتاب أهمية فائقة في مجال الكتابة والتأليف عن الفلسفة الإسلامية وتاريخها, وذلك بالنظر إلى عاملين متعاضدين هما:
العامل الأول: كونه أول كتاب صدر مع مطلع القرن العشرين, حيث صدر باللغة الألمانية سنة 1901م, وترجم إلى الإنجليزية وصدر سنة 1903م, وترجم إلى العربية وصدر سنة 1938م, الأمر الذي جعله يمثل حدثاً فكرياً يؤرخ له في مجال الكتابة الحديثة عن تاريخ الفلسفة الإسلامية.
والكتابات الأولى لها أهميتها بطبيعة الحال, وتبقى في الذاكرة عادة, وتحافظ على قيمتها من هذه الجهة, وتذكر بالحاجة إليها, والعودة الدائمة والمستمرة لها, خصوصاً في الكتابات والأعمال التي ترجع إلى التاريخ الحديث, وتتبع منهجية المراحل والتحقيبات الزمنية والتاريخية.
وبهذا اللحاظ يكون كتاب (تاريخ الفلسفة في الإسلام), هو أول كتاب يرجع إليه مع مطلع القرن العشرين عند الحديث عن تاريخ الفلسفة الإسلامية, وهذا ما حصل في الكتابات والمؤلفات التي أرخت لتاريخ الفلسفة الإسلامية من خلال تتبع الدراسات والأعمال التي تناولت هذا الشأن.
العامل الثاني: كون أن هذا الكتاب هو أول كتاب شامل في تاريخ الفلسفة الإسلامية, حيث تتبع منازع واتجاهات التفكير الفلسفي عند المسلمين, وتطور هذه المنازع والاتجاهات منذ النشأة حتى عصر ابن خلدون في القرن الثامن الهجري ـ الرابع عشر الميلادي, وكتب بطريقة منظمة ومركزة, جعلت منه واحداً من أفضل ما كتبه المستشرقون حول تاريخ الفلسفة الإسلامية من هذه الجهة المنهجية.
وأشار إلى مثل هذه الملاحظة العديد من الباحثين العرب المعاصرين الذين اعتنوا وكتبوا حول تاريخ الفلسفة الإسلامية, ومن هؤلاء الدكتور ماجد فخري في كتابه (تاريخ الفلسفة الإسلامية) الذي يرى أن كتاب دي بور ما زال يمثل أفضل عرض مجمل للفلسفة الإسلامية بالألمانية والإنجليزية.
واعتبره الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه (نحن والتراث) أنه من أحسن ما كتب في الفلسفة الإسلامية من المستشرقين, ويمثل في نظره أول كتاب يؤرخ للفلسفة الإسلامية ككل يكتبه مستشرق, وأول كتاب يؤرخ لهذه الفلسفة على الطريقة الحديثة.
وقد فاقت شهرة هذا الكتاب, حتى أصبح نموذجاً يحتذى به في الكتابة والتأليف عن الفلسفة الإسلامية وتاريخها, عند الكتاب والباحثين العرب المعاصرين.
وأشار إلى مثل هذه الملاحظة الدكتور الجابري في كتابه (التراث والحداثة) واعتبرها العنصر الأهم في كتاب دي بور, وبات في نظره يمثل النموذج والقدوة, وأن الشهرة التي نالها ما زال يحضى بها إلى اليوم.
كما أشار إلى هذه الملاحظة الباحث المصري الدكتور حامد طاهر في كتابه (الفلسفة الإسلامية في العصر الحديث) الذي اعتبر كتاب دي بور يمثل خلاصة المخطط الغربي للفلسفة الإسلامية كما شاع بين المستشرقين, وانتقل إلى عدد كبير من المثقفين في العالم الإسلامي.
ولكن اللافت في الأمر أن هذا الكتاب مع أهميته الفائقة وشهرته الواسعة, في مجاله وعند الباحثين العرب, مع ذلك لم أجد بمقدار متابعتي مقالة أو دراسة قصيرة أو طويلة كتبت عنه باللغة العربية, وما وجدته هو مجرد إشارات سريعة وعابرة, وردت وتكررت في معظم الكتابات والمؤلفات حول الفلسفة الإسلامية وتاريخها, إلى جانب نصوص واقتباسات قصيرة ومتكررة من الكتاب نفسه.
في حين أن كتاباً بهذه الأهمية والشهرة, كان يفترض أن تجري حوله العديد من الكتابات والدراسات التحليلية والنقدية بشكل يتناسب وتلك الأهمية والشهرة، كما حصل ويحصل مع كتابات ومؤلفات أخرى حظيت بقدر من الأهمية والشهرة.

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
منابع فكرة التقدم في المجال الإسلامي    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

عكاظ ـ الخميس 13 ذو القعدة 1431هـ / 21 أكتوبر 2010م, العدد 16126
منابع فكرة التقدم في المجال الإسلامي
هناك نقاش في غاية الحيوية جرى ويجري بين الباحثين والمفكرين العرب المعاصرين حول منابع فكرة التقدم في المجال الإسلامي الحديث, التي عرف بها المصلحون في القرن التاسع عشر الميلادي وكان في طليعتهم الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي, والوزير خير الدين التونسي, والسيد جمال الدين الأفغاني, والشيخ محمد عبده.
في هذا النقاش هناك من يرى أن الثقافة الأوروبية هي منبع هذه الفكرة, وتعرف عليها الفكر الإسلامي الحديث بعد اتصاله بهذه الثقافة, وذلك حين وصلت حملة نابليون على مصر سنة 1798م, وتعمقت بعد رحلة الطهطاوي إلى فرنسا سنة 1826م.
وهناك من يخطئ هذا الرأي, ويرى أن مقدمة ابن خلدون هي المنبع الأول لهذه الفكرة, ويأخذ بهذا الرأي الدكتور فهمي جدعان أحد أكثر المفكرين العرب المعاصرين عناية بدراسة فكرة التقدم في المجال العربي الحديث, كما كشف عن ذلك كتابه الشهير (أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث) الصادر سنة 1979م.
وحين يشرح الدكتور فهمي جدعان رأيه يقول وخلافاً لما درج عليه الدارسون المحدثون, أذهب إلى الزعم أن مفهوم التقدم عند مفكري النهضة العرب, لم ينتقل إليهم ابتداء من فلاسفة عصر التنوير الأوروبيين من أمثال فولتير وكوندورسيه ومونتسكيو وغيرهم, وإنما جاءهم من مصدرين أساسيين لم تكن أفكار التنويريين إلا رافداً تالياً لهما.
أما المصدر الأول فهو وعيهم للهوة التي باتت تفصل عالم العرب والشرق والإسلام عن عالم الغرب, الذي لاحظوا أنه يحث الخطى بثبات واطراد في طريق الرقي والتقدم والتمدن.
وأما المصدر الثاني فهو قراءتهم لـمقدمة ابن خلدون, التي تحتل فيها مشكلة أفول العمران, أي التقهقر الحضاري, المرتبة الأولى, وبين قراءتهم لابن خلدون ووعيهم لحالة التدني أو التقهقر, لم يكن بد من أن تجد آراء فلاسفة التنوير بعض الرجع والصدى.
وما يعزز رأي الدكتور جدعان في الجانب الذي يتصل بتأثير مقدمة ابن خلدون بوصفها منبعاً لفكرة التقدم, أن مفكري عصر الإصلاح الإسلامي هم أول من تعرف على هذه المقدمة, واكتشفوا مالها من أهمية وقيمة فكرية وإصلاحية.
فرفاعة الطهطاوي في نظر الدكتور جدعان, هو أول مفكري عصر النهضة العربية الذين اكتشفوا ابن خلدون وتابعوه في إشكاليته, وشجع في منتصف القرن التاسع عشر مطبعة الحكومة في بولاق على نشر مقدمته.
وخير الدين التونسي تعرف على هذه المقدمة أيضا, وبدا له كما يقول ألبرت حوراني في كتابه (الفكر العربي في عصر النهضة), أنه وضع كتابه (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك), في زمنه وهو على شيء من الاعتقاد بأنه يفعل للعصر الحديث ما فعله ابن خلدون لعصر أسبق, فالمؤلفان التونسيان, وضعا كتابيهما في فترة عزلة عن الحياة السياسية, وعالجا فيهما كل على طريقته, قضية نشوء الدول وسقوطها. وقد قسم كل منهما كتابه إلى مقدمة لعرض المبادئ العامة وإلى أجزاء عدة, والاختلاف بينهما يتحدد في أن كتاب ابن خلدون يعنى في معظمه بتاريخ الدول الإسلامية, في حين يعنى كتاب خير الدين التونسي في معظمه بتاريخ الدول الأوروبية وتركيبها السياسي وقوتها العسكرية.
وهكذا الشيخ محمد عبده هو الآخر التفت إلى مقدمة ابن خلدون في عصره, وطالب بإدخالها في المنهج الدراسي بالأزهر, وكان متحمساً لهذا الأمر في سياق تفكيره بإصلاح النظام التعليمي بالأزهر, وتقدم بهذا الاقتراح إلى شيخ الأزهر آنذاك الشيخ محمد الأنبابي, وشرح له الفوائد الكبيرة للمقدمة, التي لم يقتنع بها الأنبابي, فرد عليه إن العادة لم تجر بذلك.
والمصلحون الذين جاوؤا بعد هؤلاء ارتبطوا بصورة من الصور بمقدمة ابن خلدون, ومثلت لهم منبعا للتعرف على فكرة التقدم, وذلك لعناية هذه المقدمة بفكرة الحضارة, وتحليلها لتقدم وتراجع العمران الإنساني بين الأمم, وهذا النقاش ينبغي أن يستمر بحثا وتعميقا لفكرة التقدم في حياتنا.
 

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
عيد الفقراء    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

عكاظ ـ الاثنين 4 شوال 1431هـ / 13 سبتمبر 2010م, العدد 16088
عيد الفقراء
يا ترى كيف يستقبل الفقراء من الناس مناسبة العيد؟هل تنزل على قلوبهم برداً وسلاماً كما تنزل على قلوب غيرهم من الناس؟
وكيف ينظر الآباء والأمهات من الفقراء إلى عيون أطفالهم في غفلة منهم بالتأكيد، وهم يبتهجون فرحاً وسروراً بقدوم العيد، كحال غيرهم من الأطفال الآخرين، وكيف سيكون حال هؤلاء الأطفال الفقراء حين لا يلبَسون كما يلبَس غيرهم، ولا يأكلون كما يأكل غيرهم، ولا يمرحون كما يمرح غيرهم، ولا يجمعون النقود كما يجمع غيرهم، ولا يذهبون إلى أماكن التسلية والمرح كما يذهب غيرهم.
فهل ينزل العيد على هؤلاء الناس برداً وسلاماً؟ أم ينزل عليهم يوماً ثقيلاً، يتمنَون أن يمر ويذهب عاجلاً وسريعاً، ولو كان في رغبتهم ما كانوا يفضلون أن يمر عليهم؛ حتى لا ينظروا إلى أطفالهم نظرة حزن وألم، وهذه أصعب نظرة تمر على الأب والأم تجاه أطفالهما، ولا يتمنيان لأحد أن ينظر لأطفاله كما هو حالهما، حيث تفيض مشاعرهما بالوجع الذي لا يمكن لأحد أن يتصوره كما يتصوره هؤلاء.
وهل يحِق لأحد منا أن يتحدث عن عيد الفقراء ونحن لا نستطيع أن نصل إلى عمق أحاسيسهم ومشاعرهم، التي لا يمكن لهم أن يصورها لأحد كما يتحسسونها في داخل وجدانهم، وحين يعيشونها لحظة بلحظة, وأعينهم لا تفارق النظر لأطفالهم، ولا يستطيعون أن يضعوا عيونهم في عيون أطفالهم، فهذه اللحظة السريعة والعابرة هي أكثر ما يجرح مشاعرهم في الداخل.
ولعل أشد ما يزلزلهم حين ينطِق الطفل بلسانه أمامهم، ويطرح أسئلته البريئة التي تبدأ وتستمر بلماذا ولماذا، وعندها لا يجد الوالدان غير الصمت ملاذاً لهما، لكنه صمت الظاهر وسكونه، وأما في داخلهما فيحصل فيه هيجان وعواصف وطُوفان من المشاعر المتلاطمة، وكأن شرايينهما تتقطع، وأوداجهما تتمزق، وقلبيهما يتفطران.
وفي مثل هذا الموقف هناك من يستطيع أن يتماسك ويسيطر على نفسه، وهناك من يصعب عليه مثل هذا الموقف ولا يستطيع أن يتماسك فتبدأ الدموع تنهمر بشعور منه أو بدون شعور، وهناك من تماسك من قبل ولم يعد يستطيع تحمل مثل هذه المواقف، فالأب الذي ينظر إلى نفسه ويرى أن لا أحد من الناس يستطيع أن يهزمه، ويكون صلباً وقوياً تجاه الآخرين، قد يهزمه طفله الصغير في مثل هذه المواقف التي يصعب على الآباء تحملها.
والله سبحانه أراد من الصيام في شهر رمضان أن يذيق الأغنياء مس الجوع والألم, ويتساوى الغني والفقير في الشعور بالجوع، حتى يشعر الغني بجوع الفقراء، ويتذكرهم ويحس بإحساسهم، ويشعر بألمهم، فلا ينبغي أن ينتهيَ هذا الشعورُ بانتهاء شهر رمضان، فقيمته أن يدوم ويستمر، وعلى أن يتجلى في أيام العيد، فهي المناسبة التي ينبغي أن نتذكر فيها الضعفاء من الناس، ومنهم الفقراء على أمل أن ينزل العيد عليهم برداً وسلاماً.

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
من هذه الشخصية العجيبة ؟ أحبه الله فألقى له القَبول في الأرض.    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

 
إنه الأستاذ زكي ميلاد / من مواليد 1965- القطيف - السعودية

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علي ، كرم الله وجهه....    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

زينبُ ابنة علي: (رضي الله عنها)
 
 
sayedazaynab_250
 
ألا يا زينـةَ النِّسـوان ِمَريمِهـا و حَوّاهـا
و يـا إكسـيرَ فاطمـةٍ و ثانيةً لمَِعنـاهـا
و دُراً من أبي تُـربٍ وأصلُ الـدُّر ذرّاهـا
فأَتـأَمَتِ العُلـى فيها بحَيـدَرها و زَهـراها
تَجِفُ سَواحـلُ الإلهامْ دونَ بلوغِ مَرقاهـا
و تذرو الريحُ ما يَبِسَتْ مِن الأقلامِ جَرّاهـا
فلا ذو الفكر أدركها و لا ذو الشعر أَوفاها
ولا لفظٌ لذي لغـةٍ تَرَقّى مجـدَ ذكـراها
أيا قديسـةَ الأيـامِ و الطـورَ الذي باهى
به (سينـينَ) بارئـُهُ فَخَرَّ لقدسِ مَرآهـا
رَأى روحاً قد اِئْتَلَقتْ إذا ما الخطبُ وافاها
كأنَّ بَهيمَـهُ شَمْـسٌ و أَقمـارٌ تَغَشّاهـا
وجدتُكِ فيَّ (واهبَتي الحياةَ) و حِرزَ أُخراهـا
و باسْمِكِ فُلكُ أيّامي فمَجراهـا و مَسراها
تَفُتُّ شُجونُكِ نَبَضي و أَضلاعي و فَحْواها
و مِكحَلتي فمِروَدُها و عَيني ما اسْتَحَلاّهـا
و سُعْدي دمعُ أَجفاني فما النَّسـرينُ إلاّها
أَجَلْتُ القلبَ في يـوم الطفـوفِ وعُظْـمِ بَلواها
فقلتُ مقـالَ مضطربِ الوجـودِ إذا تَجَلاّهـا
أعيذُكِ أنْ يَكونَ هَوى (حُسينُـكِ) فوقَ غَبراها
و أنْ (عَبّاسُـكِ) قُطِعَتْ لهُ يَسـرىً و يَمْناهـا
و أنتِ حسـينُ و العبـاسُ قد حَيّـا بمَحياهـا
أُعيذُ خُـدورَك مِنْ هَتْكَةٍ أو سَلـْبِ طالاهـا
و أَنتِ الصَّـون و الأستارُ أصفَقُهـا و أَبهاهـا
لأَنتِ رِسالـةُ اللـهِ التي للرُّسْـلِ أَوحاهــا
تَنِـزُّ جِراحَـةَ الشُّهـداءِ صادِعـةً بأَنْبـاهـا:
(حسينٌ) سِدرةُ التوحيـدِ و (العباسُ) سَقّاهـا
و (زينبُ) ظلُّهـا الممـدودُ زاكٍ مَـنْ تَوَلاّهـا
فَدَتْكُـمْ نَفْـسُ مَولاةٍ لَكـم، صّلّى بني طـه
عَلَيكُم ذو الجلال مَدى الدهـورْ وبَعد مَرساها
و ما ريـحُ الخُزامـى في هَبـوبٍ فاح رَيّـاها

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
محمد حسين بزي    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

لا شــــــكَّ أنـــــــّا أمّــــة
بين الــــــورى مُسْتغـفَلهْ

تتلاعبُ الأريـــــاحُ فــــي
أجزائِــــــها المُتخلخِـــلهْ

وبرَغم أنْ كانت قديمــــاً
بالجَــــــلال ِ مُكَــــــــــللهْ

بنبوغِها أعجـــــوبـــــــة ً
بالعبقريَّــــــةِ أمثِــــــــــلهْ

بشجاعـــةٍ فتحَتْ بـــــها
عُصُرَ الظلام ِ المُقفـــــلهْ

بالحربِ لا يُعلى عــــــلى
آسـادها المستبســـــــــلهْ

الفتحُ رمزُ سيوفــــــــها
والنصرُ فـوق الأنمُــــــلهْ

دانت لها الدّنيا ومــــــا
برِحَت بهـــــا مُتعـــــــَللهْ

في عصرنا هذا تراءى
تحت حَدِّ المِقصَــــــــــلهْ

تسعى بأرجُلها إليــــها
وهـي كالمُستعجَـــــــــلهْ

نقضَتْ أصالتها فصارتْ
في الأصـــولِ مُهلــهَــلهْ

العزُّ ولّى والسّيـــــــادة ُ
كالسّيوفِ مُضَلــــــــــــلهْ

والمجدُ حوَّلَ ضـــــوْءَهُ
عنـها، وأطفأ مِشعــــــلهْ

والبأسُ صِفرٌ والبسالة ُ
في القلوب مُعَطّـــــــــلهْ

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
رحم الله المفكر الإسلامي المصري عبد الوهاب المسيري    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

المسيري: "البرتوكولات" زائفة وتصديقها "هزيمة"
بقلم: علاء أبو العينين
 
 
almaserri_150_01أكد المفكر الإسلامي د. عبد الوهاب المسيري مؤلف موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" أن كتاب "برتوكولات حكماء صهيون" الذي يثبت أن اليهود خططوا للهيمنة على العالم وثيقة مزيفة ليست يهودية، موضحاً أن إصرارنا على نسبتها لليهود يأتي في إطار "فكر المؤامرة" التي تسيطر علينا وتفسر الواقع من خلال حقيقة أن هناك مؤامرة تُحاك ضدنا، وأن اليهود وراء كل ما يحدث لنا من مشاكل.
وقال المسيري في ندوة عقدت بمقر شبكة "إسلام أون لاين.نت" بالعاصمة المصرية القاهرة السبت 11-1-2003 حول كتابه الصادر مؤخراً "البرتوكولات واليهودية والصهيونية": "أي قراءة لنصوص البرتوكولات تبين على الفور أنها ليست يهودية، وأن كاتبها غير يهودي".
وأكد المسيري أن الإيمان بالبرتوكولات شرك بالله؛ لأنها تعطي لليهود صفة الآلهة وأنهم قادرون على فعل كل شيء. وأشار المسيري إلى أن من بين ما جاء في البرتوكولات ويضفي على اليهود صفة الإله المتحكم والمسيطر في كل شيء النص التالي: "نحن أقوياء جداً، فعلى العالم أن يعتمد علينا وينيب إلينا، والحكومات لا يمكنها أن تبرم أية معاهدة ولو صغيرة دون أن نتدخل فيها سراً".
ويقول المسيري: إن الإيمان بما جاء في البرتوكولات عملياً مضرٌّ وغير مفيد لنا، موضحاً أن الإيمان بصحة ما جاء في البرتوكولات يقود مجتمعاتنا وشعوبها إلى الكسل الفكري، ويجعلنا غير قادرين على رؤية الواقع والآخر ورؤية مشاكلنا نحن بصورة صحيحة؛ "فالبرتوكولات توحي لنا أن اليهود وراء كل شيء يحدث لنا".
ويضيف أن ذلك يجعلنا نغفل عن حقيقة أن الولايات المتحدة هي الداعم الأكبر لإسرائيل "فمنذ عام 1973 حتى الآن قدمت واشنطن لإسرائيل مبالغ تصل قيمتها إلى حوالي 1600 مليار دولار أمريكي".
قدرات وهمية
ويرى المسيري أن الإيمان بالبرتوكولات يبث الرعب في قلوبنا؛ فيجعلنا نخسر أي مواجهة حربية مع "اليهود" قبل أن تقوم؛ لأن البرتوكولات تصف اليهود بقدرات خرافية لا أمل لنا في مواجهتها، وأعطى مثالاً على ذلك قائلاً: "تخيلوا أن استشهاديا فلسطينيا يتوجه إلى مستوطنة يهودية لتنفيذ عملية فدائية وتذكّر القدرات الخرافية التي تدّعي البرتوكولات أنها موجودة في اليهود فهل سينفذ العملية؟؟.. سيعود ولن ينفذ العملية بالطبع… الإيمان بالبرتوكولات يصب في مصلحة إسرائيل".
الجهاد ضد الظلم
protocol_267وأشار المسيري إلى أن الإيمان بالبرتوكولات يجعلنا نؤسس عقيدة الجهاد على أساس كره اليهود، ويرى أن الواجب أن نؤسس عقيدة الجهاد على أساس مواجهة الظلم "فمن يظلمنا نجاهده"، موضحاً أن تأسيس الجهاد على أساس الكره "سيجعلنا نكرة اليهود اليوم والمسيحيين غدًا ونكره من لا يتفق معنا بعد غد".
ويرى أن تأسيس جهادنا ضد اليهود على أساس دفع الظلم أفضل لنا من تأسيسه على أساس الكره؛ فـ"نحن بهذا التوجه نستطيع أن نتحد مع الأطراف العلمانية والقومية التي تحارب ظلم اليهود لا أن نجاهدهم وحدنا".
ويشير المسيري إلى أن كره اليهود يصب في إطار مصلحة الصهيونية التي اعتبر أنها حركة معادية لليهود أرادت تخليص أوروبا منهم ودفعهم إلى فلسطين.
وأوضح المسيري أن البرتوكولات كتبت باللغة الروسية، موضحاً أن يهود روسيا كانوا لا يعرفون الروسية، وأنهم كانوا يتحدثون اللغة "الليدشية"، وقال: "أي جماعة سرية تريد أن تكتب أسرارا فليس من المعقول أن تكتبها بلغة يعرفها الكثير من البشر مثل الروسية فلماذا لم تكتبها بلغتها الليدشية؟‍".
ويشير المسيري إلى أن الرأي السائد في الأوساط العلمية الآن أثبت أن البرتوكولات أُخذت من كتيب فرنسي لا علاقة له باليهود كتبه صحفي يدعى "موريس جولي" يسخر فيه من نابليون الثالث بعنوان "حوار في الجحيم بين ميكافيللي ومونتسيكو أو السياسة" في القرن التاسع عشر.
وأكد المسيري أن ما جاء في وثيقة برتوكولات صهيون شيء مضحك، مشيراً إلى أن من بين ما جاء فيها ما يزعم أن اليهود هم الذين قاموا بكل الثورات، ومن ضمنها الثورة الفرنسية، وما يزعم أن اليهود هم مؤسسو الرأسمالية والاشتراكية "فهل هذا يعقل؟".
ويرى المسيري أن نبرة وأسلوب كتابة البرتوكولات يدلان على أن هناك جهة ما كتبتها وأرادت أن تنسبها لليهود، وقال: "من أسلوب كتابتها التأكيد على تعبير (نحن اليهود) فعلنا كذا وكذا".
بين هتلر وبلفور
ويرى المسيري أنه لا فرق بين الزعيم النازي الألماني "أدولف هتلر" الذي أراد أن يتخلص من اليهود بحرقهم في محارق الهولوكوست و"أرثر بلفور" وزير الخارجية البريطاني الذي أصدر وعداً عام 1917 تتعهد فيه بريطانيا بتأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، قائلاً: "كلاهما كان يريد تخليص أوربا من اليهود، ولكن هتلر لم يكن لديه مستعمرات خارجية؛ فأحرقهم، على حين بلفور كان لدية مستعمرات فأرسلهم إليها (فلسطين)".
كما يؤكد المسيري أن وجود اليهود في فلسطين لم يأت تحقيقاً لمبادئ البرتوكولات بل طبقاً لسياسة غربية وُضعت في القرن التاسع عشر قائمة على فكرة تحويل العالم أجمع -وخصوصاً العالم العربي- إلى مجرد إطار لتحقيق مصالحهم " فاليهود في فلسطين مرتزقة يحققون مصالح الغرب وخاصة الولايات المتحدة، وهذا يفسر المبالغ الضخمة التي يحصلون عليها من واشنطن".
ويرى المسيري أن كراهية اليهود لنا لا تنبع من نصوصهم الدينية مثل التلمود أو التوراة وإنما من وضعهم الحالي كمستوطنين، وقال: " فكما أن هناك كراهية دائمة وثابتة بين المستوطن الوافد والسكان الأصليين في أي مكان آخر بالعالم.. فهناك كراهية بين المستوطنين (الإسرائيليين) والسكان الأصليين من الفلسطينيين".
يذكر أن التلفزيون المصري كان قد عرض خلال شهر رمضان الماضي مسلسلاً بعنوان "فارس بلا جواد" أثار هجوماً شديداً من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل التي وصفت المسلسل بأنه "معاد للسامية" بسبب ارتكازه على كتاب "برتوكولات حكماء صهيون".
وقد وصلت ثورة الغضب التي فجرها المسلسل لدى المسؤولين الإسرائيليين إلى حد الدعوة لسحب السفير الإسرائيلي من القاهرة، واتهام مصر بانتهاك معاهدة السلام الموقعة بين البلدين، والتهديد باللجوء إلى اللوبي اليهودي القوي في الولايات المتحدة للعمل على وقف المساعدات المالية لمصر؛ حتى يتقرر وقف عرض المسلسل الذي قام ببطولته الفنان الكوميدي "محمد صبحي".
كما أن 6 دول عربية قررت عدم بث مسلسل "فارس بلا جواد" على شاشات قنواتها التلفزيونية؛ استجابةً لطلب رسمي تقدمت به وزارة الخارجية الأمريكية، في حين أصرت وزارة الإعلام المصرية على بث المسلسل، ولكنها أضافت بيانا قصيرا في بداية كل حلقة من حلقات المسلسل يقول بأن المسلسل لا يهدف إلى إثبات صحة البرتوكولات أو عدم صحتها.
يُشار إلى وجود روايات عدة ومتناقضة حول حقيقة كتاب "برتوكولات حكماء صهيون"، والشائع أن المخابرات الروسية كشفت عام 1870 عن كتاب يتناول مؤامرات أحبار اليهود للسيطرة على العالم، والقضاء على الديانة المسيحية.
لكن الأوساط اليهودية تنفي ذلك بشدة، وتتهم أجهزة أمن القيصر "إسكندر الثاني" بكتابته؛ بهدف شحذ العواطف ضدهم، وسط تصاعد موجة اللاسامية في روسيا في ذلك الوقت.

21 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
فضل الله بعيون سنية : إنه يحرّم سب الخلفاء الراشدين ، وأزواج النبي الكريم ، وانظر فتاواه، رحمه الله.    ( من قبل 4 أعضاء )    قيّم

http://www.islammoasser.org/pdf/khas_2.pdf

22 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
المرأة في المشروع الإسلامي من منظور نقدي    ( من قبل 3 أعضاء )    قيّم

                 المرأة في المشروع الإسلامي المعاصر من منظور نقدي
زكي الميلاد

تمهيد

في أغلب المنظومات الثقافية، القديمة والحديثة والمعاصرة، هناك بعض المفاهيم التي يمكن أن نصطلح عليها بالمفاهيم القلقة، وهي التي تتصف بطابع إشكالي، حيث تتعدد حولها الاجتهادات، ووجهات النظر بصورة مختلفة، وأحياناً متناقضة.
وهذه المفاهيم القلقة غالباً ما تفرض حضورها مع مرور الزمن وتَجَدُّد الواقع، معرفياً وموضوعياً، سعياً باتجاه إخراج هذه المفاهيم من حالة القلق إلى حالة الاستقرار، حيث الوضوح والاتفاق ما أمكن..
وقد اتصفت هذه المفاهيم «القلقة» بوضعية خاصة داخل منظوماتها الثقافية، من حيث الاشتغال الفكري والثقافي، وحتى الأدبي في بعض الأحيان، وكان لهذا الانشغال المستدام، أثره على خلق حالة من الدينامية والحركية والإثراء، بوسائط النقد والحوار والنشر.
ومن هذه المفاهيم القلقة ما يكون مرتبطاً بظرف زمني معين، بانتهاء هذا الظرف ينتهي التباين حول هذه المفاهيم، إمّا بمعالجتها، أو بتوقف الاشتغال بها، ومن المفاهيم ما يدوم طويلاً.
والحالة الطبيعية أن يكون القلق في المفاهيم لزمن لا أن يكون مستداماً، فيتحول من ظاهرة قد تكون صحية إلى ظاهرة غير صحية، تتصف بالتعقيد، وتكشف عن حالة العجز في هذه المنظومات الثقافية، نتيجة ضعف القدرة على معالجة ذلك القلق.
ومن المفاهيم القلقة في المنظومة الثقافية الإسلامية، قديماً كانت مسألة «الجبر والاختيار» التي اشتد حولها الاختلاف في منتصف القرن الثاني للهجرة. وحديثاً مسألة «الدين والعلم» التي جاءت نتيجة الاحتكاك بين العالم الغربي والعالم الإسلامي، في القرن التاسع عشر الميلادي.
ومن المفاهيم المعاصرة، تأتي مسألة «التراث والمعاصرة» مع مفاهيم أخرى. وكذا الحال مع منظومات ثقافية أخرى.
ومن المفاهيم التي يشتد حولها القلق في الخطاب الإسلامي الحديث والمعاصر، مسألة «المرأة» وجدلية دولها الاجتماعي العام.. وعلى حد تعبير السيد «محمد حسين فضل الله» «إن الحديث عن المرأة ودورها الفاعل في البعد الإنساني المتنوع، والمتحرك المواقع، يثير الحوار حول الكثير من المفاهيم القلقة التي يحملها الناس في النظرة إليها، لا سيما في الإطار الديني الإسلامي، مما قد يؤدي إلى الارتباك في التعامل معها على صعيد الواقع، أو إلى فقدان ثقتها بنفسها من خلال الإيحاءات المختلفة المؤثرة في شعورها وإحساسها بالحياة من حولها، ونظرتها إلى المسؤولية الملقاة على عاتقها»1
ويصور هذا القلق الشيخ «محمد مهدي شمس الدين»، في كتابه حول فقه المرأة الذي عنونه بـ «مسائل حرجة في فقه المرأة»2.
ويعبّر الدكتور «يوسف القرضاوي» عن هذا القلق بقوله: إن «قضية المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية مثل بارز يجسد موقفي الغلو والتقصير، أو الإفراط والتفريط»3.
ويكشف عن هذا القلق ـ أيضاًـ الشيخ «محمد الغزالي» في القسم الذي خصصه عن المرأة في كتابه الذي أثار جدلاً واسعاً في وقته وهو كتاب «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»4.
ومحور هذا القلق في قضية المرأة، هو جدلية دورها الاجتماعي ومشاركتها في الوظائف العامة. فحينما كتب الشيخ «محمد رشيد رضا» مؤلفاً حول «حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام»5 واعتبر أن الإسلام قال بمشاركة النساء للرجال في الشعائر الدينية والأعمال الاجتماعية والسياسية، اعترض عليه الشيخ «محمد ناصر الدين الألباني» في أثناء تحقيقه لهذا الكتاب، وتعليقه عليه، قائلاً: إن هذا الإطلاق باطل لمنافاته لعموم آية «وقرن في بيوتكن»6 وما كان عليه نساء السلف من عدم التدخل في السياسة7. أما الشيخ «رشيد رضا» فيرى في آية {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}8 أن الله قد أثبت للمؤمنات الولاية المطلقة مع المؤمنين فيدخل فيها ولاية الأخوة والمودة والتعاون المالي والاجتماعي، وولاية النصرة الحربية والسياسية، إلا أن الشريعة أسقطت عن النساء وجوب القتال9. وقد ميز الشيخ «محمد الغزالي» هذا النوع من الاختلاف على أنه اختلاف في المنهج بين أهل الفقه وأهل الحديث، وفي قراءة المفاهيم الإسلامية وتنزيلها على الواقع، في كتابه الذي ينتصر فيه لأهل الفقه، وهو كتاب «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث».
وبلسان حال المرأة تقول الدكتورة «منى يكن»10 «لا تزال المرأة المسلمة مبعدة عن دورها الاجتماعي والحياتي إلى حد كبير، ولا يزال هاجس إبقائها على الهامش ينغص عيشتها، ويقلق راحتها، ويقصيها عن الحركة، وتبقى مسألة الاعتراف للمرأة بفاعليها، ودورها، وعدم فرض الوصايا العمياء عليها من أهم القضايا التي تشغل بالها»11.
وتضيف السيدة «صافي ناز كاظم»12، أن «حظ المرأة المتعلمة من الالتفات ـ إسلامياً ـ لمحنة ظلمها الاجتماعي الذي أعادها إلى عذابات موروثات من العقلية الجاهلية قبل الإسلام، تفسير مبتور للآية الكريمة {وقرن في بيوتكن} وذلك بدل إعادتها إلى وضعها الذي قرره لها الإسلام»13.
من هذا التمهيد نصل إلى تشخيص مورد البحث، أو تحرير محل النزاع كما في لغة الفقهاء. وهو إن هناك مشكلات حقيقية ومتجذرة حول قضايا المرأة في الخطاب الإسلامي، والمشروع الإسلامي محور هذه المشكلات هو جدلية دورها الاجتماعي العام.

نقد الأدبيات الإسلامية حول المرأة

المساحة التي أخذتها قضية المرأة في الأدبيات الإسلامية، من حيث الكم تعد غير قليلة، لكن الراصد والمتأمل في هذه الأدبيات والكتابات بالمنظور النقدي، تتكشف له بعض الحقائق والملاحظات، منها:
أولاً: يغلب على الكثير من هذه الكتابات الحالة الانفعالية والدفاعية في الرد على الشبهات والإشكاليات التي تثيرها الأقلام والتيارات غير الإسلامية حول المرأة بشكل عام، والمرأة في الخطاب الإسلامي بشكل خاص. وإذا كان من الأهمية الدخول مع هذه الآراء بالحوار والنقد والرد، فإن الأهم من ذلك الانطلاق من الأصول والقواعد الإسلامية في بلورة الرؤية المعرفية والعملية لقضايا المرأة، بعيداً عن حساسيات الطرف الآخر.
وإذا اعتبرنا إن هذه الحالة قد جاءت في ظرف كان التيار الإسلامي يصنف حاله في موقف الدفاع، فإن هذا الظرف تغير، وما زالت العديد من الكتابات الإسلامية لم تتغير.
والمرأة من جهتها لا تنتظر مثل هذه الردود، التي لا تغير من واقعها شيئاً بقدر انتظارها وحاجتها لصياغة الرؤية الإسلامية حول المرأة والتي ترتبط بأوضاعها، وإصلاح هذه الأوضاع. تريد التعرف على الرؤية الإسلامية لأجل أن تكيف سلوكها وفقها، لا أن تطلع على تلك الردود فحسب.
ثانياً: إن أغلب الكتابات الإسلامية عن المرأة جاءت من الرجل وليس المرأة. وهذا ما يتضح بصورة واضحة، لو قمنا بتوثيق ببليوغرافي حول ما نشر عن المرأة في الخطاب الإسلامي، فحين يستعرض الأستاذ «منير شفيق»14 آراء الإسلاميين عن المرأة يذكر واحداً وعشرين رأياً للرجال، واثنتين فقط من النساء15. وهذا بالتأكيد ليس لفصل عالم المرأة عن اهتمامات الرجل، بل لأن المرأة ولأسباب ذاتية وموضوعية، معرفية ومنهجية، هي أقرب إلى تشخيص أحوالها، ومعرفة كينونتها، وبالتالي الأقدر على فهم حاجاتها ومتطلباتها. ومن جانب آخر قد لا يتوجه النقد هنا بالضرورة للرجل الذي عبر عن رأيه باهتمام في موضوع المرأة، بقدر ما يوجه للمرأة ذاتها التي لم تتولّ قضاياها بالكتابة والنشر كما أولاها الرجل.
ثالثاً: يكاد المتابع لكثير من الكتابات الإسلامية عن المرأة، أن يصاب بالملل وقد يصل إلى الإحباط، لما تتصف به هذه الكتابات من الاجترار والتكرار والتقليدية أو السطحية في بعض الأحيان، فلا ترى التجديد والعمق والإبداع إلا قليلاً. وقد صار معروفاً في هذه الكتابات أن يبدأ الكاتب بالحديث عن الظروف السيئة للمرأة عند الأمم والشعوب القديمة، ثم عن احتقار المرأة في عصر الجاهلية، ثم عن انحلال المرأة في الغرب، وبعد ذلك يأتي الحديث عن تكريم الإسلام للمرأة الذي أعلى من شأنها، واعترف لها بحقوقها.
وعن هذه المنهجية تقول السيدة «زينب الغزالي» «إن مثل تلك القضايا التي قتلت بحثاً، وعرف بها القاصي والداني، والبعيد والقريب»16. ويضيف الدكتور «القرضاوي» (قد شكا إليَّ بعض الأخوات مللهن من المحاضرات التي تلقى في المؤتمرات الإسلامية بأمريكا وأوروبا وتدور كلها حول قضايا المرأة وحقوقها وواجباتها، ومكانتها في الإسلام، وهي قضايا تكررت حتى أصبح الحضور لسماعها كأنه عقوبة!)17.
والمرأة قد سمعت كثيراً عن هذه القضايا، فهل تحسنت أوضاعها عندنا!.
رابعاً: لقد ركزت الكتابات الإسلامية عن المرأة كثيراً، وبمساحات كبيرة، على الجانب الأخلاقي الذي يرتبط بالسفور والاختلاط وتقليد المرأة الغربية في سلوكها. وهذا التركيز بالتأكيد له ما يبرره موضوعياً مع تفشي الانحلال الأخلاقي، والميوعة والفساد الاجتماعي الذي ينتشر بصورة خطيرة ومدّمرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
ولكن إلى جانب هذا التركيز، لم نشهد تركيزاً في الكتابات والأبحاث على معالجة قضايا تنمية المرأة، والارتقاء بمستوياتها التربوية والتعليمية، والنهوض بأدوارها الاجتماعية، واستكشاف مواهبها وتفعيل طاقاتها.
خامساً: يلاحظ أن نقصاً واضحاً في هذه الكتابات يرتبط بالجوانب التوصيفية والإحصائية، والتي هي من الشروط الأساسية في الدراسات العلمية، ومع غيابها تفتقد هذه الكتابات إلى عنصر أساسي من عناصر البحث العلمي. فالعناصر الكيفية لا تبتني إلا على عناصر كمية. وهذا النقص لا يمكن أن يعوض بأي شكل من الأشكال، إلا بواسطة عمليات المسح الاجتماعي، والاستطلاعات الميدانية، والاستبيانات، وتخزين المعلومات.
لم نلاحظ لدينا ارقاما حول المرأة في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، كالتي تتوافر عن المرأة في الغرب ... في حين ان الارقام والاحصاء هما المستند الحقيقي للتشخيص الموضوعي الذي يترتب عليه كيفية فهمنا لهذه الحالة، ونوعية البرامج المناسبة، وطريقة معالجة المشكلات، وتحسين نوعية الحياة للمرأة.
سادساً: لا زالت هناك فجوة عميقة ترتبط بجدلية النظرية والتطبيق في مسألة المرأة، فالطرح الإسلامي لقضية المرأة لا يجد طريقه إلى التطبيق بالكيفية التي ينظّر له. ومازالت الموروثات والتقاليد التي تهمين على الواقع هي أقوى وأكثر تأثيراً من التنظير الإسلامي. وعن هذه الإشكالية تقول السيدة «بثينة إبراهيم مكي»18 (إن المرأة اليوم هي أحد ضحايا التخلف الطويل الذي عاشته الأمّة، ولا شك أن الأعراف الاجتماعية، وخاصة في النصف الأول من هذا القرن قد ساهمت في تأخير النهوض بالمرأة وتعليمها)19.
ويؤكد هذه الحقيقة بوضوح أكثر الدكتور «جمال البرزنجي» وهو يلخص وقائع ندوة (الحركة الإسلامية: في ظل التحولات الدولية وأزمة الخليج)20 إن (الحركة الإسلامية عجزت بكافة فصائلها عن أن تطرح قضية المرأة طرحاً إسلامياً، مستقلاً، بعيداً عن ضغوط التقاليد والمجتمع، بحيث تقول هذا هو هدي الإسلام، ودور المرأة في المجتمع المسلم)21.

المرأة في الحركة الإسلامية

الحركة الإسلامية بالقياس لحال الواقع هي حالة متطورة ونتقدمة ، لما تحمله من مشروع في الإصلاح وتغيير هذا الواقع، وبهذه القاعدة فإن الحركة الإسلامية كأطروحة في التغيير تمثل عامل إنهاض المرأة في واقعنا العربي الإسلامي.
وقد ساهمت الحركة الإسلامية ولو بنسبة ضئيلة في النهوض بالمرأة، حيث أمولتها الإهتمام، وإن لم يكن بمستوى الطموح.
وعن وضع المرأة في الحركة الإسلامية تقول الدكتورة «منى يكن» (لقد اهتمت الحركة الإسلامية بالمرأة، وكان للأخوات نصيبهن من العمل والنشاط، ولكن يجب أن نعترف بأن القسم النسائي لم يبلغ المستوى الذي ينبغي أن يصل إليه، بالرغم من انتشار الدعوة في صف النساء ولا سيّما الطالبات)22.
وفي نظر الأستاذ «بشير موسى» (يعاني الإسلاميون في معظم أنحاء الوطن الإسلامي من فقر هائل في مشاركة المرأة المسلمة في النشاط العام، وفي تحمل المهام والمسؤوليات الملقاة على أكتاف الحركة الإسلامية المعاصرة) (23).
ويصف الشيخ «محمد الغزالي» واقع المرأة اليوم بقوله: (المرأة عندنا، ليس لها دور ثقافي ولا سياسي، ولا دخل لها في برامج التربية، ولا في نظم المجتمع، ولا مكان لها في صفوف المساجد ولا ميادين الجهاد)24.
أما لماذا هذا الضعف في الحركة الإسلامية في جانب المرأة؟
يعلل الدكتور «القرضاوي» هذا الضعف بغياب القيادات النسائية، فيقول: (إن العمل الإسلامي النسوي إنما ينجح ويثبت وجوده في الساحة يوم يفرز زعامات نسائية إسلامية، في ميادين الدعوة والفكر والعلم والأدب والتربية)25
وعن غياب هذه الزعامات تقول السيدة «مهجة قحف»26 إن (عدم وجود أعداد كافية من النساء المؤهلات، هو أنه يحال بين النساء، وبين اكتسابهن لبعض المهارات اللازمة للعمل السياسي. أعطوا النساء بعض التشجيع، وأفسحوا أمامهن بعض المنافذ كما هو الأمر بالنسبة للرجال عندها سيتخرج نسوة ذوات أهلية)27.
ويتصور البعض (أن المسألة ذات علاقة بالأصول الاجتماعية والثقافية لأبناء الحركة الإسلامية أنفسهم الذين ينحدرون في معظمهم من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، حيث ما يزال دور المرأة محدوداً وثانوياً وتابعاً في معظم الأحوال)28.
وأما الدكتورة «منى يكن» فتعتقد بأن السبب هو هيمنة الرجل فتقول: (لقد هيمن الرجل على الكثير من المواقع والقيادات التي كان من الممكن أن تبدع فيها المرأة)29، وتؤكد كلامها بشهادة من الدكتور «القرضاوي» حيث يرى أن (مشكلة العمل الإسلامي النسوي، أن الرجال هم الذين يقودونه، ويوجهونه، ويحرصون على أن يظل زمامه بأيديهم، فلا يدعون فرصة للزهرات أن تتفتح، ولا للقيادات أن تبرز، لأنهم يفرضون أنفسهم فرضاً، حتى على الاجتماعات النسوية، مستغلين حياء الفتيات المسلمات الملتزمات، فيكتمون أنفاسهن ولا يتيحون لهن قيادة أمورهن بأنفسهن، فتبرز منهن مواهب يفرزها العمل، وتصهرها الحركة، وتنضجها التجربة والكفاح، وتتعلم من مدرسة الحياة والممارسة بما فيها من خطأ وصواب)30.
ومع اعتقاد الدكتورة «منى يكن» بهيمنة الرجل إلاّ أنها لا تبرر مواقف المرأة التي تتحمل جزءاً من المسؤولية حيث تضيف: (إن الأخوات لا يعفين من بعض التبعة، فقد استسلم معظمهن للوضع الحالي، ورضين بحياة الدعة والسكون، وأن يفكر لهن الرجال بدل أن يفكرن لأنفسهن. لا شك أن المرأة تربت ونشأت على تلك الصفات السلبية الناتجة عن وضع المجتمع العام، فحملت معها بذور تلك التربية التي تحدد لها المكان والدور وتعزلها عن الكثير من الأمور المتعلقة بها كإنسانة لها حقوق في أن تشعر وتشارك وتتحمل تكاليف دعوتها ودينها)31.
والحقيقة أن هذا الضعف من الصعب تفكيكه، فهذه الأسباب لا يمكن فصل بعضها عن بعض، فهي متفاعلة ومتداخلة، يضاف إليها أسباب أخرى سوف نأتي على ذكرها لاحقاً..
وما هو جدير بالإشارة أن هذا الضعف في جانب المرأة لا يقتصر على الحركة الإسلامية، بل هو يشمل واقع المرأة في مختلف القطاعات والمؤسسات وعلى مستوى الدول والمجتمعات. وقد جاء في تقرير للأمم المتحدة لعام 1985م حول وضع المرأة في العالم، اعتبر هذا الوضع لا يزال يعاني من ضعف، وإن مستويات التقدم لا زالت متواضعة32.
وما نلخص إليه أن واقع المرأة في الحركة الإسلامية كحالة توصيفية يعاني من ضعف، وإن مستويات النمو والتقدم والمشاركة لا زالت بطيئة ومتواضعة.

نقد المرأة لواقعها في الحركة الإسلامية

إن وجود النقد من المرأة لواقعها، ولحركتها الاجتماعية، ومشاركتها في الوظائف العامة، خطوة ضرورية في سبيل إنهاض وإنماء وتفعيل دورها، ونحن نعلم أن الأصوات التي تتبنى النقد داخل الحركة الإسلامية هي كثيرة، واللاتي يعلن عن هذا النقد هن فئة قليلة من الحركيات.
والتوثيق العلمي لنقد المرأة لواقعها في الحركة الإسلامية، يفرض علينا الرجوع إلى رأي المرأة ذاتها. وهنا تنقصنا الأسماء التي يمكن أن نرجع إليها في هذا الجانب، وسوف نكتفي بأسماء تكررت في هذا الشأن.
من جوانب هذا النقد:

أولاً: غياب المرأة عن مركز القرار.

في أغلب الحركات الإسلامية تعاني المرأة من الغياب عن مركز القرار والمشاركة في صنعه. الغياب الذي لا يمكن تعليله بوجود مسبق موقف مسبق من المرأة في هذه الجماعات، وإنما قد يرجع إلى أسباب ذاتية على علاقة بمؤهلات المرأة وقدراتها السياسية والحركية والاجتماعية.
ونحن انما ننطلق من قاعدة توصيفية نبني عليها تحليلات ونفترض فيها أكثر من سبب، ونعطي فيها أكثر من وجهة نظر.
وغياب المرأة عن مراكز القرار في الحركة الإسلامية هو المشكلة الأهم في نظر الدكتورة «منى يكن» حيث تقول (إن المشكلة الأهم كما أراها هي أن الحركة الإسلامية لم تشرك المرأة في صنع القرار)33
وتشرح ذلك، من واقع تجربة حركة الإخوان المسلمين في مصر، السيدة «مهجة قحف» حيث ترى إنه (عندما تصل إلى مؤسسات صياغة القرار الحقيقية لمجلس الشورى، أو مكتب الإرشاد، أو المكتب التنفيذي، فإن عضويتها تقتصر على الرجال. والرجال هم الذين يضعون السياسات العامة للرجال والنساء معاً. وفي بعض الحالات فإن الرجال يضعون حتى برامج أسر النساء على المستويات الدنيا. ولا شك أن هذا غريب، لأن حركة الأخوات المسلمات في مصر، قد شكلت كجماعة مستقلة من قبل زينب الغزالي وغيرها قبل أن تنضم إلى جماعة حسن البنا فقسم النساء في جماعة الإخوان لا يمثل النصف، بقدر ما هو جزء إضافي صغير يسمح له بمعالجة ما يسمى بقضايا النساء. والنساء حالياً ليس لهن صوت في مراكز صنع القرار. ونفس التركيب التنظيمي يتواجد في الجماعة الإسلامية في باكستان، وفي أغلب الجماعات الإسلامية)34 ولذلك فإن السيدة «مهجة قحف» تطالب بإصلاحات تنظيمية في هذه الجماعات بحيث تشارك المرأة في المراكز القيادية، وفي صنع القرار ، ورسم السياسات العامة..

ثانياً: هيمنة الرجال على النساء.

وهذه الإشكالية هي نتيجة منطقية لغياب المرأة عن مراكز القرار في الجماعات الإسلامية. وسبق ان شرحنا هذه النقطة ولا داعي للتكرار.
والحذر من هذه الإشكالية حين تتحول إلى معوق من معوقات تطور المرأة ذاتياً، وتقدمها حركياً واجتماعياً. فكل أشكال السيطرة والهيمنة تساهم بدرجة معينة في تعطيل الانطلاق والنهوض.
وإذا كان هناك من تحول ننتظره في هذا الجانب، فهو أن ترفع المرأة عن نفسها هيمنة الرجل عليها في مؤسسات الحركة الإسلامية، وميادين العمل الإسلامي، وعلى الرجل مساعدة المرأة في إسقاط هذه الهيمنة، حتى تعتمد على نفسها وتنطلق.
والمرأة إنما ترفع عن نفسها هذه الهيمنة، بتطوير ذاتها، وتنمية مواهبها، ورفع مستوياتها العلمية وقدراتها الإدارية، لا أن تكتفي بمجرد المطالبة تحت عناوين حقوق المرأة.
كما لا يصح على الإطلاق أن يكون وضع المرأة داخل الحركة الإسلامية، كوضعها في داخل المجتمع، فالحركة الإسلامية يفترض فيها أن تمثل حالة متطورة على المجتمع، وتحمل مشروع النهوض به.

ثالثاً: حصر اهتمامات المرأة بقضاياها وبعالمها الخاص.

لا خلاف في أولوية قضايا المرأة في اهتمامات المرأة ذاتها، لكن أن ينحصر كل هذا الاهتمام في هذا الجانب، فهذا هو مورد النقد والنظر.
وعن هذا النقد تقول الدكتورة «منى يكن» (فإني أنكر حصر اهتمامات المرأة المسلمة الحركية والفكرية والدعوية بقضايا المرأة ليس إلاّ. لأنه بذلك تعطل جوانب عديدة من كيانها الإنساني، ونحرمها من حق المشاركة في قضايا الأمّة المصيرية التي يحاول احتكارها الرجال، فهل من حق الرجل أن يقف حائلاً بين المرأة وبين عطائها الإسلامي؟ وهل يجوز له أن يحصر العمل للإسلام على شخصه فقط ويحرمه على المرأة)35.
ومن دلائل هذا الحصر ما تحدث به الأستاذ «خليل أحمد الحامدي» أحد قيادات الجماعة الإسلامية في باكستان عن قسم المرأة داخل الجماعة حيث يقول: (إن نشاط السيدات المسلمات يتلخص في تنظيم اللقاءات الأسبوعية، وإلقاء الدروس والمحاضرات التي تحضرها النساء من مختلف الأعمار، وتعليم القرآن الكريم للبنات والسيدات قراءة وتفسيراً، وتعليم اللغة العربية، وإقامة مراكز الرعاية للفتيات الفقيرات، ودفع نفقات زواجهن، والعناية بالأطفال، وتربيتهم تربية إسلامية. ويصدر قسم السيدات المعلمات مجلتين شهريتين، مجلة بتو ل وهي خاصة بالسيدات، ومجلة نور وهي خاصة بالأطفال)36.
وفي داخل الخطاب الإسلامي هناك جدليات الإطلاق والتقييد، حول مسؤوليات ومهام المرأة، الحركية والاجتماعية والسياسية، فهناك من يوسع الإطلاق، وهناك من يضيق التقييد، وهناك من يأخذ بالدليل الأولي، وهناك من يأخذ بالدليل الثانوي، وهناك من صنفهم الشيخ «محمد الغزالي» بأهل الفقه إلى جانب أهل الحديث.. وهكذا .
وما نلحظه بصورة عامة في تحولات الخطاب الإسلامي المعاصر إنه يقترب من توسعة مسؤوليات المرأة، مع التمسك بحدود معينة من التقييد، لارتفاع بعض المحاذير التي كانت تشكل قاعدة الدليل الثانوي.
وفي نظر الكثيرين الذين راقبوا التجربة الإسلامية في إيران، وجدوا فيها أنها فتحت آفاقاً واسعة لمشاركة المرأة في مختلف الميادين ومرافق الحياة العامة. وفي بيان تشاور عليه نحو مائة وخمسين شخصاً من المثقفين وأهل الفكر في مصر، حمل في وقته عنوان «نحو تيار إسلامي جديد» (إن مشاركة المرأة للرجل أنشطة الحياة المختلفة في المجتمع، أمر لابد منه لأداء مهمتها في الحياة. والإسلام لا يضع الرجال والنساء موضع الحرج ولا يوجب عليهم التأثم من هذه المشاركة، وإنما يسبغ عليها آدابه الشرعية كما أسبغها على سائر ميادين النشاط والحركة الاجتماعية)37.

رابعاً: ضعف الرعاية بتأهيل المرأة.

إن الضعف الحقيقي الذي تعاني منه المرأة في الحركة الإسلامية هو في حقيقته ضعف في التأهيل. وهذا من الأسباب الجوهرية لغياب المرأة عن مراكز القرار، وهيمنة الرجال عليها، وحصر اهتماماتها في حدود قضاياها الخاصة.
وفي نظر المرأة أنها لم تتلق الرعاية المطلوبة من التأهيل داخل الحركة الإسلامية كما هو حال الرجل، وعن ذلك تقول السيدة «مهجة قحف» (هناك سبب لعدم وجود أعداد كافية من النساء المؤهلات، وهو أنه يحال بين النساء وبين اكتسابهن لبعض المهارات اللازمة للعمل السياسي! أعطوا النساء بعض التشجيع وأفسحوا أمامهن بعض المنافذ كما هو الأمر بالنسبة للرجال عندها سيتخرج نسوة ذوات أهلية)38.
والتصور السائد في الحركة الإسلامية والمعمول به واقعياً، من الصعب التصريح به، هو أن الحركة الإسلامية في الدرجة الأولى هي للرجال، وللنساء في الدرجة الثانية، ولضرورات خاصة.
كما أن عزل المرأة عن عالم الرجال في الحركة الإسلامية ساهم في إضعاف تأهيلها. فقد عزلت حتى في الندوات والمؤتمرات الثقافية والفكرية، وكنت شاهداً على واحد منها، ففي ديسمبر 1993م، حضرت مؤتمر (رابطة الشباب المسلم العربي) في أمريكا، الذي عقد في مدينة ديترويت بولاية ميشغان وفي هذا المؤتمر وقف الدكتور «يوسف القرضاوي» معترضاً على فصل المرأة عن برامج الرجال، واعتبر ذلك فصلاً لها عن المجتمع. يضاف إلى ذلك ضعف البرامج المخصصة لتأهيل المرأة، ومحدودية الجهود المبذولة لهذا الغرض.
مع كل هذه الحقائق يبقى أن المرأة هي المسؤولة أولاً عن تأهيل ذاتها، وعن هذا الضعف الذي تشتكي منه داخل الحركة الإسلامية.

نقد المرأة في الحركة الإسلامية

إلى جانب نقد المرأة لواقعها في الحركة الإسلامية، هناك النقد الموجه إليها أيضاً. وهو الأكثر أهمية في سبيل إنهاضها، أو إخراجها من حالة الجمود والركود، إلى الفاعلية والنشاط والمشاركة الجادة.
وهذا النقد كان ينبغي أن يأتي من المرأة ذاتها، لكي يأخذ مصداقيته الموضوعية، ولعل هذا من إشكاليات هذه الدراسة التي جاءت من رجل وليس امرأة. مع ذلك أحاول أن أقترب ما أمكن وبكل موضوعية من مشكلات المرأة في الحركة الإسلامية.
أوجز هذا النقد في النقاط التالية:
1ـ ضعف اهتمام المرأة بتأهيل ذاتها وتنمية مواهبها، وتفعيل طاقاتها. إما لنقص في الحوافز ومحدودية في الطموح، أو لعدم فاعلية البرامج التأهيلية مع غياب التشجيع أحياناً، أو بسبب الانغلاق وعدم الانفتاح، أو لضعف الثقة بالذات، أو لكثرة مشاغلها وزحمة ارتباطاتها الخاصة والعامة، وضعف قدرتها على تنسيق هذه الأعمال والواجبات. وقد تتشابك هذه العوامل وقد تنفصل.
2ـ المرأة التي عرف عنها النشاط والفاعلية، ما أن تدخل مرحلة الحياة الزوجية حتى تصاب بالذبول والجمود، وهذا بالطبع في أغلب الأحيان، لا بصورة كلية ومطلقة وكأن النشاط والحركة هو لفترة ما قبل الزواج، ويتوقف ويتلاشى، أو ينخفض بعده. وبالتأكيد أن الحياة الزوجية تفرض العديد من الالتزامات والواجبات وتأخذ الكثير من الوقت والجهد، لكن لا تصل في كل الحالات إلى درجة أن يتوقف كل نشاط وفاعلية المرأة. وعن هذه الظاهرة يقول الدكتور «القرضاوي» (شكا إلي كثير من الأخوات في مصر وفي الجزائر، وهو أن الأخت الداعية النشيطة المتحركة، قبل الزواج، بعد أن تتزوج أخاً ملتزماً ممن عرفته عن طريق الدعوة، يفرض عليها العزلة، ويمسكها في البيت، ويحرمها من المشاركة في الحركة، ويطفئ تلك الشعلة التي كانت تضيء الطريق لبنات الإسلام. حتى كتبت إلي فتاة جزائرية تعمل في حقل الدعوة، تسألني هل يحرم عليها أن تضرب عن الزواج وترفضه من حيث المبدأ، حتى لا ينتهي بها الأمر، كما انتهى بأخوات لها، إلى حياة الخمول والكسل، والبعد عن ميدان الحركة والعمل)39.
3ـ يلاحظ بصورة عامة ضعف المشاريع النسائية، الحركية والاجتماعية والثقافية والتربوية، إما لعدم قدرتها في الاعتماد على ذاتها، أو لضعف الحالة التعاونية بين النساء بصورة عامة، أو لنقص في الدعم المادي والمالي لهذه المشاريع، أو لضعف القدرات القيادية والإدارية أو لأسباب أخرى.
4ـ لم تتمكن المرأة من خلال تجربتها الطويلة في الحركة الإسلامية، أن تبلور نظرية ناضجة ومتماسكة في العمل الإسلامي، تضع نهاية للجدل الذي لا يتوقف حول دور المرأة الاجتماعي والسياسي. وتجيب على التساؤلات الحرجة والإشكاليات الحادة التي تثار حول قضايا المرأة في العرف والموروثات والواقع السلبي وتداعياته الاجتماعية.. وفي كثير من الأحيان تكون المرأة آخر من ترفع صوتها في الدفاع عن نفسها أمام هذه الانتهاكات المستمرة تجاهها. ومن الضروري ان تنجز المرأة هذه المهمة التي تأخرت في انجازها طويلا وهي تدفع الثمن باهضا نتيجة التاخر في انجاز هذا العمل.
5ـ ضعف الحالة التعاونية بين النساء، وتفشي ظاهرة الخلافات والنزاعات بينهن، وهذا ما نسمعه مراراً.
من جهة أخرى أن (المرأة في داخل الحركة الإسلامية تتأثر بتعددية الحركات، مما أدى إلى وجود العديد من الاتجاهات المختلفة فيما بينها على صعيد العمل النسائي الإسلامي، ومما انعكس ضعفاً على وضع المرأة الحركية بشكل عام، بحيث نراها تتبدد في الخلافات الجانبية والهامشية بين الحركات النسائية)40.
6ـ شعور المرأة بتبعيتها للرجل إلى درجة إحساسها بالعجز في اعتمادها على ذاتها، وتخطي مشاكلها، والانطلاق بقدراتها الذاتية، وأن تستفيد من الرجل لا أن تكون تابعة له. وعن هذه الحالة تقول السيدة «منى يكن» (إن الأخوات لا يعفين من بعض التبعة فقد استسلم معظمهن للوضع الحالي ورضين بحياة الدعة والسكون، وأن يفكر لهن الرجال بدل أن يفكرن لأنفسهن)41.

تحولات الخطاب الإسلامي المعاصر.

يرصد الأستاذ «منير شفيق»، من خلال مراجعته لأدبيات الإسلاميين حول مسألة المرأة، أن ثمة تحولاً في الخطاب الإسلامي في العقد الأخير من القرن العشرين، حيث يرى (أن مشكلة المرأة ومسؤوليتها الدينية، وحقوقها فيما يتعلق بالتعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، أصبحت مواضيع تطرح داخل الصف الإسلامي، في العشر سنوات الأخيرة، على مستوى مختلف عن المستوى الذي عالجه به العلماء والمفكرون الإسلاميون في أثناء الرد على المتغربين وما كان يثار من شبهة على الإسلام حول التعدد والحجاب وحقوق النساء)42، وبعد أن يستعرض لوجهات نظر الكثير من الإسلاميين حول هذه القضية يصل إلى (أن الفكر الإسلامي المعاصر أخذ ينتقل في تناوله لموضوع المرأة من الرد على الشبهة التي ألقاها الغرب والعلمانيون العرب على موقف الإسلامي من الموضوع، إلى محاولة بلورة صيغة ترتكز إلى الأصول الإسلامية، وتجيب، أو تتجاوب مع حاجات الأمّة الإسلامية في هذا العصر. وهذا ما جعل الفكر الإسلامي يعالج هذا الموضع الهام والأساسي والحساس على جبهتين، جبهة الصراع مع التحديات الآتية من الخارج، وجبهة الصراع فيما يثيره من خلافية في الداخل الإسلامي نفسه)43.
واتفق مع «منير شفيق» في التحول الذي يرصده في الفكر الإسلامي المعاصر من قضية المرأة، ولكن هذا التحول لا زال في نطاق النظرية، ولم يصل إلى نطاق التطبيق كما ينبغي..
من جهة أخرى إن هذا التحول يرصده «شفيق» من خلال آراء الرجال وليس النساء، وهن ما زلن لم يقتنعن بهذا التحول لعدم مُعايشتهن له على الأرض.
وعلى كل حال فإن من المتوقع أن نشهد تحولات في العقود القادمة في الخطاب الإسلامي من قضية المرأة، وذلك لمعطيات ذاتية وموضوعية، راهنة ومستقبلية.
من هذه المعطيات:
أـ إن الفكر الإسلامي المعاصر أخذ ينتقل في معالجة مشكلاته من زاوية النظرية إلى زاوية التطبيق. وهذا الانتقال يقرب الفكر الإسلامي معرفياً ومنهجياً إلى الواقعية في مقابل المثالية، وإلى النسبية مقابل الإطلاقية، وإلى التبيين مقابل الإجمال، وإلى التدريج مقابل التعجيل.
ب- إن الصحوة الإسلامية الناهضة في الأمة تثير رياح التغيير والإصلاح والتجديد في أحوال وأوضاع المجتمعات العربية والإسلامية، خصوصاً تلك التي كان يلفها الركود والجمود، ومنها قضية المرأة.
ج ـ تعالي أصوات المرأة التي تطالب بإصلاح أوضاعها، ونقد المفاهيم والموروثات والتقاليد التي تعرقل مشاركتها الفاعلة في القضايا العامة، كما باتت توجه نقدها إلى الرجل في طريقته الاستبدادية، وتطالب بمكانتها التي تليق بها كما حددها لها الإسلام.
دـ تراجع وانحسار التيار التقليدي نسبياً، على الصعيد الفكري والاجتماعي، وهو المتشدد بالتمسك بالموروثات والتقاليد التي ترتبط بقضايا المرأة.
هـ - الاهتمام العالمي بقضايا المرأة والتحسن النسبي في أحوالها، والسعي الجاد لإنماء وتطوير قدراتها المعنوية والمادية. ففي سنة 1975م أعلنت الأمم المتحدة (السنة العالمية للمرأة). في عام 1985م، عقدت الأمم المتحدة مؤتمراً في نيروبي لمناقشة الأهداف والإنجازات والعقبات. وقد وصف التقرير (مجمل الإنجازات أنها متواضعة، وحدد العراقيل التي ما زالت تحول دون تقدم المرأة حول العمل وعزاها إلى ما يلي: النقلة العميقة الجذرية، عجز في تفهم مدلولات الطروحات النسائية، فقدان الموارد المالية لإصلاح وضع المرأة.
ولهذه الأسباب تبنى المؤتمر مخططات إضافية وحدد المهلة في عام 2000م) (44) . هذا الاهتمام العالمي بقضايا المرأة كان يبعث حوافز كثيرة عند المرأة المسلمة ابتداء من إحساسها بظروفها ومشاكلها، إلى ضرورة الارتقاء بكفاءاتها.

التجربة الإسلامية النسائية في السودان كنموذج

في نظر العديد من النساء الحركيات، أن التجربة الإسلامية النسائية في السودان من أكثر التجارب تطوراً ونجاحاً على مستوى الحركات الإسلامية النسائية في العالم العربي.
ولأهمية هذه التجربة دعت السيدة «منى يكن» بأن (تدرس تجربة الحركة السودانية فيما يخص المرأة، دراسة متجردة وإبداء الرأي بها وتقويمها من خلال الندوات والمحاضرات)45.
وذات الرؤية تحملها السيدة «مهجة قحف» حيث تذهب (يجب علينا دراسة لماذا استطاع الإسلاميون السودانيون الذين يتمتعون بأفضل تعاون بين قطاعي الرجال والنساء، الذين يحملون وجهة نظر تقدمية في كثير من القضايا، أن يكونوا أول من نجح في العالم العربي)46.
وعن هذه التجربة تقول الدكتورة «سعاد الفاتح» وهي من قيادات الحركة الإسلامية النسائية في السودان، (الإنسان لا يملك أن يؤمر عليه أحد لا يستجيب لاحتياجاته. لذلك، رأت المرأة السودانية أن العمل الاجتماعي عن طريق الجمعيات الخيرية والجمعيات الثقافية، والمراكز الاجتماعية الصحية والمساجد هو أقرب طريق لقلوب الناس. ركزنا على ذلك، فأنشأنا المدارس، ورياض الأطفال، ومراكز التعليم للناس ـ محو الأمية ـ وذهبنا إلى أكثر من ذلك، فقد طفنا البيوت للإرشاد بالطرق الصحيحة للتربية في بداية الحركة النسائية)47.
وعن مسار هذه التجربة وتطورها يقول الدكتور «حسن الترابي» الذي تحدث عن هذه التجربة في أطوارها الفكرية والحركية، ولأهميتها نقتبس هذا النص مع ما فيه من طول بعض الشيء.
(تطورت الحركة الإسلامية بالسودان ثلاثة مواقف متتالية في شأن المرأة. فالموقف الأول كان يصدر عن مسايرة للمعهود التقليدي في رؤية مكانة المرأة في الدين عامة، ودورها في إحيائه خاصة. فعندما بدأت الحركة لم تكن تتجاوز ذلك العرف في نظرتها للنساء. فكانت بوعي أو بلا وعي تعتبر أن الدين خطاب للرجال في المقام الأول، وأن شأن الدعوة والجهاد في سبيله مسؤولية قاصرة عليهم، ولا ينبغي ولن يجدى أن تُقحم النساء في شيء من ذلك. كذلك كانت تقدر أن إصلاح المجتمع بأي وجه إنما هو شأن الذكور، إذا صلح الرجال صلح المجتمع وإذا فسدوا فسد، والمرأة تبع في ذلك ليس لها من مكان أو دور أصيل إلاّ البيت. وكانت الجماعة غالبها من شباب، وكان من أشد الحرج في عرف المجتمع اتصال الشباب من الذكور والإناث الأجانب. فالحركة مثل مجتمعها كانت غافلة عن أي مغزى لتدين النساء، زاهدة في دور إ صلاحي يقمن به، حذرة من أي صلة بهن.
لكن الحركة برغم انفعالها بتلك المعاني التقليدية لم تفقد كل الحرص على بسط بعض دعوتها في أوساط النساء أيضاً، مراعاة لما تعلم بفطرتها ن أصل الشمول في خطاب الدين ومنافسات لحركات أخرى كانت تفتن الإناث بدعوات احترام المرأة وتحريرها. فكان أن استقطبت الحركة مجموعة صغيرة من الطالبات رمزاً لشمولها، لكن ما كن يتخرجن من المعاهد حتى يتلاشين بأسرع مما يتلاشى الخريجون الذكور، فما كان لهن مثل ما لهم من فرص الثبات في مجتمع كان ينكر على الشابة أن تتدين كثيراً، أو أن تدعى موقفاً جديداً في الحياة، أو أن تتميز بسمت أو مسلك يشذّ عن عرف النساء السائد. فأيّما منشط للحركة يعني النساء ولو كان محاضرة في «وضع المرأة في الإسلام» أو مجلة نسائية إنما كان يتولاه الذكور، ولا بأس، فالجماعة قوام عضويتها ذكور ومعاملاتها مع مجتمع ذكور.

22 - نوفمبر - 2010
اخترت لكم من قراءتي في هذا اليوم
 273  274  275  276  277